على هامش المائدة المستديرة التي نظمتها جمعية فاس سايس وشركائها حول موضوع : “استراتيجيات الاستفادة من العقول والكفاءات المغربية والعربية في الخارج.”
صوت فاس البديل// إدريس العادل
ع.البوعناني
نظمت جمعية فاس سايس للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ،بشراكة وتعاون مع منظمة المجتمع المدني الدولية لقيم المواطنة والتنمية والحوار (اكسو)،والمجلس المغربي للشؤون الخارجية ،مائدة مستديرة يوم السبت 26يوليوز 2025 حول موضوع:”استراتيجيات الاستفادة من العقول والكفاءات المغربية والعربية في الخارج””.
وسنفرد لكل مداخلة حيزا هاما من خلال تغطية إعلامية غايتها اطلاع المتلقين الذين لم يتمكنوا من الاستمتاع بما قدمه السادة الدكاترة ، كل من موقعه ومجال اختصاصه. هذا اللقاء الهام ،قدم فقراته باقتدار. الدكتور رشيد بناني المندوب السابق لقطاع الثقافة بفاس
للتذكير ،فان اشغال هذه المائدة المستديرة انطلقت بكلمات المنظمين الذين اوضحوا اسباب نزول هذه الخطوة الهامة ،خصوصا ونحن في عز استقبال مغاربة العالم ،والاحتفال بهم يوم العاشر من شهر غشت بمناسبة اليوم الوطني للمهاجر الذي اقرته المملكة اعترافا بالدور الطلائعي الذي تضطلع به الجالية المغربية في الخارج ،والتي تساهم بقسط وافر في الاقتصاد الوطني …كل ذلك بتوجيهات من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وايده،والشعب المغربي قاطبة يحتفل بالذكرى ال26لاعتلاء جلالته على عرش اسلافه المنعمين.
في هذه الورقة نستعرض مداخلة الدكتور الحسن عبيابة استاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء،ورئيس مركز ابن بطوطة للدراسات العلمية الاستراتيجية بالمغرب…..هذه المداخلة تحمل عنوان:
“الثقافة الوطنية ودروها في تنمية المواطنة”
يقول الدكتور الحسن عبيابة:
في البداية شكرا للجهات
المنظمة منظمة المجتمع المدني وحوار الحضارات وجمعية فاس سايس ومجلس الدبلوماسية كما أشكر السلطات المحلية والسادة المنتخبون وكل الحضور بإسمه وصفته
. تأسست مدينة فاس المغربية على يد الأدارسة في القرن الثاني الهجري (القرن الثامن الميلادي) على ضفتي نهر وادي فاس. حيث أسس إدريس الأول مدينة على الضفة اليمنى، ثم بنى ابنه إدريس الثاني مدينة أخرى على الضفة اليسرى. وتوحدت المدينتان في عهد المرابطين، وأصبحت فاس عاصمة للدولة العلوية في القرن السابع عشر الميلادي.
وبعد 20 عامًا ،أسس إدريس الثاني مدينة أخرى على الضفة اليسرى من النهر.وتوحدت المدينة على عهد المرابطين،
بعدها تاسست فاس الجديدة(فاس الجديد) على عهد المرينيين، تم بناء “فاس الجديدة”عام 1276م واصبحت فاس مركزًا للدولة العلوية عام 1649م. وتحولت العاصمة إلى الرباط عام 1912م مع بداية الاحتلال الفرنسي.
ونحن في فاس ،لابد من استعراض هذا التاريخ المجيد لهذه الحاضرة التي استقبلت العائلات العربية القادمة من القيروان(عدوة القرويين) ،كما استقبلت العائلات الأندلسية التي لجأت إلى المدينة وكانت (عدوة الاندلس )
وتعتبر فاس مركزاعلميا وحضاريا بشمال إفريقيا.وكانت حلقة وصل بين الشمال (اروبا )والجنوب (افريقيا)
المتدخل تطرق إلى تعريف الثقافة
وأنواعها المختلفة ،العامة والخاصة والمشتركة ، تم الثقافة الوطنية.
فالثقافة تعتبر بطاقة تعريف لكل دولة ، كما أن الثقافة لها عدة أدوار أساسية في المجتمعات المختلفة، ومن بين الأدوار الرئيسية للثقافة هي تنمية وتقوية المواطنة لدى كل فئات المجتمع وفق معايير وأساليب ثقافية وإبداعية ترسخ الهوية الثقافية للمجتمع .
وهنا لا بد أن نتحدث عن الهوية الوطنية والدور الثقافي الذي يرسخ هذه الهوية وسنناقش الموضوع من عدة جوانب مع النسق العام بين الثقافة والمواطنة.
فالثقافة الوطنية هي الثقافة التي تتشكل في إطار الدولة الوطنية ، بحدود جغرافية محددة وهوية تاريخيّة ، وثقافيّة ، وحضارية معينة ، وتتميز الثقافة الوطنية بالموروث الثقافي، والقيم والمعتقدات، والتقاليد والعادات المشتركة للمجتمع الذي يتبنى هذه الثقافة.
وتعكس الثقافة الوطنية هوية الشعب وتاريخه وقيمه الأساسية التي تنتقل من جيل إلى جيل ،وهي الثقافة التي تتشكل في إطار دولة وطنية بحدود جغرافية محددة وهوية تاريخيّة وثقافيّة وحضارية معينة .
وهناك مفهوم جديد يسمى المواطنة الثقافية والتي يؤمن من خلالها (المواطن) بثقافة بلده على تنوُّعها وتغيُّرها، ويساهم في حمايتها وتطويرها بما يتناسب مع خصوصية وطنه ومعتقداته .
إن مفهوم الدولة الوطنية يحكمها الدستور والقانون، ولاتحكمها عوامل أخرى ، فلا يمكن لأي فرد أن يعيش في دولة ذات حدود جغرافية سيادية معينة ، وهوية تاريخيّة ووطنية ، ويعيش بأفكار دول أخرى ، ويناضل من أجلها على حساب قيم ومبادئ وثوابت الثقافة الوطنية ، فهذا التصرف مرفوض على جميع الأصعدة.
وانتقل إلى الحديث عن الثقافة العالمية ، فهي الثقافة التي تتشكل بتبادل الأفكار والمعرفة المختلفة ،
وتتميز الثقافة العالمية بالتنوع والتعددية، حيث يمكن أن تجد عناصر من مختلف الثقافات في الثقافة العالمية .
كم تساهم الثقافة العالمية في توسيع آفاق الأفراد ، وتعزيز التفاهم والتعايش السلمي بين الشعوب ، وهذا مطلوب ،لكن ، بما لايتعارض مع الثقافة الوطنية .
بعدها تساءل الدكتور عبيابة عن الأدوار الثقافية داخل المجتمع،والتي ليها في :
. الحفاظ على الهوية الوطنية بحمولتها التراثية ، والتاريخية والمعمارية والجغرافية.
. التصدي لأي تشويش على الهوية الوطنية من طرف الثقافة العامة الموجهة بإسم القيم الإنسانية.
. الحماية الثقافية من الداخل والخارج ومن (بعض المعتقدات) والثقافة التاريخية العربية ، والإسلامية ، والدفاع عن المكتسبات الثقافية والاجتماعية المكونة للمجتمع المغربي .
كما تساءل المتدخل حول ما إذا كانت لبلادنا سياسات ثقافية ، فاجاب بأن هناك برامج ثقافية وليست سياسات ثقافية بالمعنى الدستوري ، على اعتبار كثرة المتدخلين في المجال الثقافي المتنوع.
واسترسل في حديثه عن المرجعيات الثقافية قبل دستور 2011 ،
منها الايديولوجية، حيث ظهرت في عدة كتابات مختلفة وفي جميع التعبيرات الثقافية والأدبية، لأن هذه المرحلة تميزت بالنخبة الثقافية- السياسة التي كانت تمارس المعارضة بإسم الثقافة، وهذا الأمر كان مقبولا في فترة زمنية معينة .
ومرحلة التيارات الفكرية اليسارية وما يدور في فلكها نظرا للصعود الملحوظ ، لهذا التوجه في مرحلة تاريخيّة معينة وهذا شيء طبيعي.
وفي مرحلة الثمانينيات ،التي تعد جديدة للإنفتاح والتوجهات السياسية والاقتصادية.
وعن المرجعيات الأدبية والتاريخيّة الوطنية ثقافة الاحداث التاريخية الوطنية ، وهذا التوجه قادم من الشرق ،و تميز المثقف العربي بالنقد للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ( وفق مرجعية العلوم الفلسفية والعلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية )
وشهدت فترة الستينيات والسبعينيات، ظهور روائيين مغاربة بارزين أمثال محمد شكري، وعبد الكريم غلاب، ومحمد زفزاف، وغيرهم.تناولت رواياتهم قضايا اجتماعية وسياسية هامة، مثل الفقر، والظلم، والبحث عن الهوية.
اما الثقافة في دستور 2011،فقد نص في فصله الخامس باحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية، والفصل 16 ينص على ضرورة تشبع الجالية المغربية بالثقافة المغربية،
ونص الفصل 25 على حرية التعبير والإبداع في الآداب والفنون ،
والفصل 88 الذي نص على الجانب الثقافي في البرامج الحكومية .
وبالتالي فإن الثقافة تشكل قطاعا حكوميا مستمرا في المملكة ،دون ان ننسى الاشارة القوية التي جاءت في عدة فقرات في النموذج التنموي الجديد.
وفي هذا الإطار نجد الفصلين 25 و26 من الدستور يؤكدان على حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن، ودعم البحث العلمي والتقني على أسس ديمقراطية ومهنية.
كم ان احداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية ،يعتبر قيمة مضافة في هذا الباب.
. واسار الدكتور عبيابة ،الى مسألة هامة ،وتتعلق بتعريف الثقافة ،وفقا لمؤشرات اليونيسكو،د :”هي معاريف تسهم في النمو المعرفي وتساعد الأفراد والمجتمعات على توسيع خيارات حياتهم الإجتماعية والتكيف مع التغيرات والتحولات الثقافية ، وهذا ما يجعلها مرتبطة ارتباطا وثيقا مع مفهوم المواطنة “.
. كما أن مفهوم المواطنة هو مجموعة من المعارف التي تساعد على القيام بأدوار اجتماعية تعزِّز علاقة الأفراد بأوطانهم، وقدرتهم على المساهمة الفاعلة والمشاركة الإيجابية في تنميته ، بالإضافة الى أن الممارسات والتعبيرات الثقافية هي أداة أساسية في إنتاج القيم الإنسانية والوطنية وتفسيرها ونقلها إلى فئات مختلفة من المجتمع .
وخاص الى انه ومنذ 13 سنة لم نتمكن وضع سياسة واضحة للثقافة المغربية ذات بعد وطني يضمن الإبداع والابتكار ويحافظ على الهوية الوطنية والتعددية الثقافية
لتنمية وتقوية المواطنة ، كما أن تنزيل المقتضيات الثقافية الدستورية لم تفعل بشكل كامل،بالاضافة الى غياب الثقافة والهوياتية كجزء من الهوية ، في النقاش العمومي الخاص بمدونة الأسرة حيث يناقش حقوقيا ودينيا ولا يناقش ثقافيا ، وكأن الثقافة ببلادنا عبارة عن برامج متنوعة لاتناغم بينها لافي الأهداف ولا في الغايات ، كما أن التغيرات الفكرية والاجتماعية والسياسية الذي عرفها العالم في السنوات الأخيرة ، تحتاج منا توفير أجوبة ثقافية يقبلها المجتمع من أجل خلق تفاعل حضاري متنوع ومقبول .
على اعتبار ان المملكة دولة لها تاريخ عريق ، نمت فيها عدة حضارات واندمجت فيها الكثير من الأعراق، مما أنتج تنوعا غنيا نظرا لموقعها الجغرافي الذي يربط بين الثقافة الأوروبية والثقافة الإفريقية والعربية.
واقترح إحداث مجموعة من المؤسسات المهتمة بالشأن الثقافي وتجميعها ، في المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية ، وهو مسؤول بشكل خاص عن «حماية وتطوير اللغتين العربية والأمازيغية ومختلف أشكال التعبير الثقافي ، بحيث يجمع هذا المجلس كل المؤسسات المعنية بالمجالات الثقافية واللغوية ، وهو المسؤول دستوريا عن رسم السياسات الثقافية .
وذكر الدكتور عبيابة ، بالظهير الشريف رقم 34-20-1 صادر في 5 شعبان 1441 (30 مارس 2020) {بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 16-04 المتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية} .
والقانون تنظيمي رقم 16-04 يتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية والذي ينص على ما يلي :
1- إبداء الرأي في كل قضية من القضايا التي يحيلها إليه جلالة الملك في مجال اختصاصه ؛
2- اقتراح التوجهات الاستراتيجية للسياسة اللغوية والثقافية التي سيتم اعتمادها في مختلف مجالات الحياة العامة ، وإحالتها إلى الحكومة قصد دراستها وعرضها على مسطرة المصادقة طبقا لأحكام الفصلين 49 و92 من الدستور ؛
3- دراسة البرامج الكبرى اللازمة لتنفيذ التوجهات المذكورة التي تعدها الحكومة ، وتتبع تنفيذها بتنسيق مع السلطات والهيئات المعنية ؛
4- إبداء الرأي ، بمبادرة منه ، أو بطلب من الحكومة أو أحد مجلسي البرلمان ، حسب الحالة ، في مشاريع ومقترحات القوانين ومشاريع النصوص التنظيمية ذات الصلة بمجال اختصاصه ؛
5- اقتراح التدابير الواجب اتخاذها لحماية وتنمية اللغتين الرسميتين للدولة ، العربية والأمازيغية ؛
6- تقديم كل توصية أو مقترح إلى الحكومة في مجال التربية الوطنية والتعليم وفي مجالات الحياة العامة الأخرى ذات الأولوية ، وكذا تلك المتعلقة بحماية وصيانة الحسانية واللهجات ومختلف التعبيرات الثقافية ، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة ؛
7- إنجاز كل دراسة أو بحث ذي صلة باختصاصات المجلس الوطني حول السبل الكفيلة بضمان انسجام السياسات اللغوية والثقافية وتكاملها ، بمبادرة منه أو بطلب من السلطات العمومية المعنية ؛
8- رصد وتحليل وتتبع وضعية وواقع اللغتين الرسميتين للدولة ، واللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم وكذا مختلف التعبيرات الثقافية المغربية ، وإعداد تقارير في شأن ذلك ؛
9- اقتراح التدابير الواجب اتخاذها من أجل تيسير تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم ؛
10- تقديم كل اقتراح من شأنه دعم المنتوج الثقافي الوطني ، وسبل تحفيزه وتطويره وترويجه ؛
11- اقتراح كل تدبير يراه مناسبا على السلطات العمومية من أجل مواكبة الصناعات الثقافية والإبداعية ، قصد هيكلتها وتنظيمها وتأهيلها وجعلها قادرة على التنافسية
، ومستجيبة للمعايير المهنية المتعارف عليها.
12- إنجاز دراسات وأبحاث وتقارير موضوعاتية لفائدة السلطات العمومية ، بطلب منها ، حول الممارسات الثقافية بمختلف تجلياتها .
13- إبداء الرأي بطلب من السلطات العمومية في شأن المشاريع والبرامج المتعلقة بالتنمية الثقافية التي تعتزم تنفيذها ، ولاسيما المتعلقة منها بسبل تيسير الولوج إلى الحقوق الثقافية ؛
14- تيسير التشاور والحوار والتعاون بين الفاعلين في مجال التنمية اللغوية والثقافية ، بما يقوي تماسك النسيج اللغوي والثقافي الوطني ورصيده المشترك.
وهناك مؤسسات أخرى لها علاقة بالثقافة ، منها المجلس الأعلى للثقافة وصندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ، ومعهد الدراسات والأبحاث للتعريب ،والمركز السينمائي المغربي والمؤسسة الوطنية للمتاحف.
وللجامعات ايضا ، دور كبير في إبراز التعددية الثقافية للمجتمع المغربي، مع ضرورة إيجاد الطرق التي يمكن أن يتم بها تعبئة تلك التعددية من أجل التنمية، فالجامعة مسؤولة اليوم وأكثر من أي وقت مضى.
كما تضمن الفصل 33 من الدستور، ضرورة توسيع مشاركة الشباب وتعميمها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وتيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والفن والرياضة ، والأنشطة الخلاقة والإبداعية؛ إلى جانب ذلك نص الفصل 170 على خلق هيئة المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي ، مكلفة بتقديم اقتراحات حول المواضيع ذات الطابع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي للنهوض بأوضاع الشباب وتنمية قدراتهم الإبداعية.
مع ضرورة انتاج فكر تتداخل فيه الثقافة بالتنمية وتحويل الموارد الثقافية إلى ثروة إقتصادية وربطها بالثقافة السياحية وتوحيد الثراث المعماري لربط الثقافة بالتنمية الاقتصادية ( إسبانيًا ، فرنسا ، بريطانيا ).
.لكن يبقى التساؤل المطروح، هل حقق الدستور الجديد إنصافًا على مستوى المسألة الثقافية بالمغرب؟ وما مدى تفعيل المستجدات الدستورية لوضع سياسة ثقافية شاملة؟
وهي جميعها ، خلاصات لمستقبل الثقافة الوطنية مستقبلا بكل مكوناتها.
صوت فاس البديل جريدة الكترونية مستقلة

























